الشيخ محمد رشيد رضا

60

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إذ كان يرجو ايمانه فقال له ( 60 : 4 لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) أي لا أملك لك هداية ولا نجاة وانما أملك دعاء اللّه تعالى . وقد وفى بوعده وما كان إلا وفيا كما شهد له تعالى بقوله ( وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) فكان من دعائه ( 26 : 86 وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 87 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 88 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 89 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) اي من الشرك والكفر والشك المقتضي للنفاق ، فمن استغفر لحي يرجو إيمانه يقصد سؤال اللّه ان يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة فلا بأس فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ قال ابن عباس : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو للّه فتبرأ منه . وفي رواية عنه : فلما تبين له انه عدو للّه يقول لما مات على كفره . وقال قتادة تبين له حين مات وعلم أن التوبة انقطعت عنه . وقيل إنه تبين له ذلك بوحي من اللّه تعالى ، فحينئذ تبرأ منه ومن قرابته ، وترك الاستغفار له كما هو مقتضى الايمان ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ ) الآية ورد أن إبراهيم بعد من الخزي له يوم القيامة أن يكون أبوه في النار كما رواه البخاري من حديث رؤيته في النار وأنه يقول « يا رب انك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ، فأيّ خزي أخزى من أبي الأبعد » فيمسخ اللّه أباه ذيخا - وهو ذكر الضباع الكثير الشعر - حتى لا يخزى إبراهيم ابنه برؤيته في النار على صورته المعروفة له ولقومه . وقد تقدم لفظ الحديث في قصة إبراهيم مع أبيه من تفسير سورة الأنعام ( ص 539 ج 7 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ هذه الجملة المؤكدة بوصف إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم بالمبالغة في خشية اللّه والخشوع له ، وبالحلم والثبات في أموره كلها ، تعليل لامتناعه عن الاستغفار لأبيه بعد العلم برسوخه في الشرك وعداوة اللّه عز وجل . الأواه الكثير التأوه والتحسر وانما يتأوه إبراهيم من خشية اللّه ويتحسر على المشركين من قومه ولا سيما أبيه ، ويعلق الأواه على الخاشع الكثير الدعاء والتضرع للّه - وأصل التأوه قول « أوّه » اوآه ( بالكسر منونا وغير منون ) أو واه ، أو اوه ، . وفي